ابراهيم بن عمر البقاعي
21
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وطمعكما ومبلغكما من العلم ، وليس لهما أكثر من ذا ما لم يعلما ، وأما علمه تعالى فقد أتى من وراء ما يكون - قاله سيبويه في باب من النكرة يجرى مجرى ما فيه الألف واللام من المصادر والأسماء . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 45 إلى 54 ] قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى ( 45 ) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( 46 ) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ( 47 ) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 48 ) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ( 49 ) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ( 50 ) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ( 51 ) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ( 52 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى ( 53 ) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 54 ) ولما كان فرعون في غاية الجبروت ، وكان حاله حال من يهلكهما إلا أن يمنعهما اللّه ، وأرادا علم ما يكون من ذلك قالا رَبَّنا أي أيها المحسن إلينا . ولما كان مضمون إخبارهما بالخوف مع كونهما من جهة اللّه - من شأنه أن لا يكون وأن ينكر ، أكدا فقالا مبالغين فيه بإظهار النون الثالثة إبلاغا في إظهار الشكوى ليأتي الجبر على قدر ما يظهر من الكسر : إِنَّنا نَخافُ لما هو فيه من المكنة أَنْ يَفْرُطَ أي يعجل عَلَيْنا بالعقوبة قبل إتمام البلاغ عجلة من يطفر ويثب إلى الشيء أَوْ أَنْ يَطْغى * فيتجاوز إلى أعظم مما هو فيه من الاستكبار قالَ لا تَخافا ثم علل ذلك بما هو مناط النصرة والحياطة للولي والإهلاك للعدو ، فقال مؤكدا إشارة إلى عظم الخبر ، وتنبيها لمضمونه لأنه خارج عن العوائد ، وأثبت النون الثالثة على وزان تأكيدهما : إِنَّنِي مَعَكُما لا أغيب كما تغيب الملوك إذا أرسلوا رسلهم أَسْمَعُ وَأَرى * أي لي هاتان الصفتان ، لا يخفى عليّ شيء من حال رسولي ولا حال عدوه ، وأنتما تعلمان من قدرتي ما لا يعلمه غيركما . ولما تمهد ذلك ، تسبب عنه تعليمهما ما يقولان ، فقال مؤكدا للذهاب أيضا لما مضى : فَأْتِياهُ فَقُولا أي له ؛ ولما كان فرعون ينكر ما تضمنه قولهما ، أكد سبحانه فقال : إِنَّا ولما كان التنبيه على معنى المؤازرة هنا - كما تقدم - مطلوبا ، ثنى فقال : رَسُولا رَبِّكَ الذي رباك فأحسن تربيتك بعد أن أوجدك من العدم ، إشارة إلى تحقيره بأنه من جملة عبيد مرسلهما تكذيبا له في ادعائه الربوبية ، ثم سبب عن إرسالكما إليه قولكما : فَأَرْسِلْ مَعَنا عبيده بَنِي إِسْرائِيلَ ليعبدوه ، فإنه لا يستحق العبادة غيره وَلا تُعَذِّبْهُمْ بما تعذبهم به من الاستخدام والتذبيح ؛ ثم علل دعوى الرسالة بما